قبلت حماس فرفض الاحتلال، وفى السابق حدث العكس. لم تكن الهدنة اختيارية، ولن تتأتّى التسويات إلا اضطرارا. عَدوّان يَعدوان على محيط دائرة، بالسرعة نفسها، وبفاصل محسوب بينهما؛ فلا يلتقيان، كما لا تنتهى المطاردة.
صحيح أن الصراع مُعقّد وأكبر من أطرافه الحاليين؛ لكنه مصبوغ بالأيديولوجيا منذ بدايته، ومحكوم بالمغالطات.. انتُزعت الأرض فى صفقةٍ مُلفّقة بين ثلاثة شياطين: الامبريالية الغالبة على روح الغرب، وانتهازية العصابات الصهيونية، والأُصوليّة من حيث كونها حجابا عن العصر، ومدخلا دائما لالتباس الهُويّة، وافتتان الضحية بالجلاد، وتسديد ديون التاريخ من لحم الجغرافيا الحىّ.
تُخسَر الحروب فى الميدان، وتُربَح على طاولة السياسة. فى المستوى النظرى يتوجب أن يقر المهزوم بالنتائج، وعمليا لا فارق بين الاعتراف والإنكار؛ إذ إن بعض الحقائق تكون صاخبة لدرجة لا تُدارى أو تُنكَر. مُنيت حماس بخسارة ثقيلة، وكذلك الحال لدى حزب الله على جبهة «الإسناد والمشاغلة» جنوبى لبنان، وبقية الساحات الرديفة لمشروع الشيعية المسلحة فى طابعه الصفوىّ الخالص.
سقطت استثمارات أربعة عقود فى بناء مرتكزات للدفاع المتقدم، وأسقطت معها دولا وقضايا، وأخذت من خزانة المنكوبين لتضيف إلى رصيد عدوهم المسعور.
ما كان مستحيلا على نتنياهو صار طوع بنانه. قبل نحو سنتين كاد المساس بالقضاء أن يُطيح حكومته؛ لكنه اليوم يُعيد هيكلة المحكمة العليا وآليات تعيين قضاتها، ويُجاهر شركاؤه فى الائتلاف بنيّة استكمال خطّتهم الإصلاحية السابقة. تخلّص من خصومه فى الأجهزة الأمنية، ويتأهب لتشييع المدعية العامة بعدما وقفت له شوكة فى الحلق. تتأرجح الاستطلاعات بشأن حظوظه فى أقرب انتخابات؛ إنما تتعزز فرص بقائه حتى نهاية ولايته فى خريف العام المقبل.
تمنّى عجوز الليكود الماكر على الجغرافيا طمعا فى دخول التاريخ. أحاط نفسه بالأعداء من كل جهة؛ حتى داخل إسرائيل نفسها. صورة «الملك اليهودى» لا تكتمل من دون حرب كُبرى، وأزمة السياسى الفاسد تفرض البحث عن تخريجة ساخنة. لقد رقص على جثة رابين لكنه لم يقض على بقايا إرثه الماثلة فى مشروعية السلطة الفلسطينية، وتواطأ من دون اتفاق مع حماس، وقد آن له أن يصرف عائد الاستثمار الطويل فيها.
بدا الصدام احتياجا وجوديا لوحش يوشك أن يموت جوعا، وربما تترجح احتمالية أنه كان سيفتش عنه بكل السبل والأدوات؛ لكن الحقيقة الأخيرة أنه مُنح ضالته قبل أن يسعى إليها، وأهداه كارهوه ما يستنقذه من الهلاك تطوعا مجانيا، وبسخاء يُثير الشكوك فى عقولهم؛ إن لم يكن فى صفاء النوايا وصدق الانحيازات.
ما عادت المسألة خلافية كما كانت فى مبتداها. انطفأت العواطف المتأججة، وانقشع غبار الدعايات عن الحقائق والخلاصات. كان «طوفان السنوار» مُغامرة لرجل واحد، إما قادته العظمة الشخصية لأن يخوض النار ببلد كامل، أو أُملى عليه من الخارج ما يتخطّى إمكاناته ولم يتجهّز له، عدّةً وحكمة.
وجردة الحساب اليوم ليست فى صالحه على الإطلاق: حركته تتداعى، وبيئتها طلل وأشلاء، والقضية الكبرى تُعاين نكبة أكبر من سابقاتها. والشاخص الذى صوّب عليه القسّاميون نجا، وردّ الضربة أضعافا مضاعفة، ومن نكد الدنيا أنه الرابح الوحيد تقريبا.
هكذا مضت الأمور على خلاف ما أُريد منها تماما. المؤكد أن السنوار لم يسع لانتشال غريمه اللدود من أزماته الداخلية، ولا تمكينه من شنّ حرب كاسرة لحماس ومحورها بالكامل. ربما سعى لاستنساخ صفقة شاليط؛ لكن الأرجح أنه أراد تعميق الشقاق داخل إسرائيل، وإعانة الشارع على إسقاط ائتلاف القوميين والتوراتيين. وسواء تصدّى للواقع بخيال قديم، أو راهن بكل أوراقه على المستحيل؛ فإنه ارتكب الخطيئة التى لا تعود الأمور بعدها لما كان سابقا، ولا تُغفَر فيها الآثام، كما لا يُسمَح فى زحام تداعياتها بفرصة ثانية.
ازدهرت حماس فى زمن نتنياهو، واستغلها الأخير لترسيخ خطابه اليمينى شديد التطرف، وتأبيد هيمنته على المجال العام للدولة العبرية. علاقة تخادُم أضافت للطرفين طوال ثلاثة عقود، وعمّدتهما عدوّين وشريكين فى الوقت ذاته. كلاهما يبرر الخطاب الضد، وليس من مصلحة أحدهما أن يفتقد خدمات الآخر. كان الطوفان تطويرا جريئا للعبة؛ إنما تحت سقف المشاكسة اليمينية المحببة للطرفين، وكذلك الرد من جهة الاحتلال، يُفرط فى الوحشية ويرفع سقف الطموحات؛ لكنه لا يريد إفناء الحركة على وجه الحقيقة.
كأنها مطاردة بين فأرين، يرهقان بعضهما لأنهما من الفصيلة نفسها، ويلهثان لدرجة الحشرجة وانقطاع النفس؛ لكنهما لا يطلبان التوقف أو الاستبدال، وبالتأكيد لا يحب أى منهما أن يحل قط بدلا من الغريم.
يشتركان فى التصويب على السلطة الوطنية الفلسطينية. نتفق على أنها ليست فى حال مثالية، وتحتاج للإصلاح وإعادة الهيكلة؛ لكنها تظل بديلا مقنعا، وقادرا على ملء المساحة المتقاطعة بين الأصوليات على الناحيتين. الاحتلال يبرر سلاح المقاومة، والأخير يمدّ الذرائع للصهاينة، والدائرة مغلقة على الفلسطينيين حصرا، ينزفون دما وجغرافيا، ويُوصمون موتى وأحياء.
فقدت ورقة الرهائن بريقها. لم تضغط على الحُكم فى تل أبيب كما كان متوقعا، واستُخدمت لتمرير إجراءات مضادة، واستجلبت تداعيات غير ما أُريد منها تماما. وقطعا لم يكن القصد مجرد إبرام صفقة تبادل عابرة؛ بل العودة من مغامرة الغلاف بضمانة ضد الوحشية المفرطة.
وعلى العكس؛ انقلبت الوظيفة المقصودة إلى الضد، وبدلا عن حماية القطاع تسبّبت له فى دمارٍ عميم، وصارت سببا دائما للتنكيل به، ومبررا للجريمة وتعليلا للانحياز. حماس تضغط فى ملف الأسرى لأنه آخر ما تملك، ونتنياهو يُوظّف عنادها ضد الفلسطينيين وقضيتهم. وبهذا؛ تصير الحركة عبئا لا ظهيرا، وبقاؤها ذريعة متجددة لمواصلة الحرب.
تآكلت قدراتها وانحسرت فاعليتها، ومع عجزها عن الحسم ومكابرتها فى التنحّى؛ تدفع غزة فاتورة البأس المزعوم من دون منافعه، وتُرتَهن لحسابات أيديولوجية خالصة. القضية عادلة؛ لكن الطريق ليست معتدلة تماما. والشعارات مهما بدت صافية ومقنعة للعقل والقلب؛ فإن الإصرار على منازلات محسومة سلفًا يُشبه الانقلاب على الذات، ولا يُفهَم إطلاقا خارج النزعة الانتحارية، بكل ما فيها من انهزاميّة تتصنّع البطولة.
أُبرمت الهدنة الأولى أواخر نوفمبر قبل الماضى لأغراض استكشافية، والثانية والأخيرة فى يناير أيضا. الاستكشاف هناك كان لحدود القوة والسياسة لدى كل طرف، وما يمكن أن يقبل به أو يرفضه. أما الاستكشاف هنا فكان لإدارة ترامب ونواياها. وقد تظهّرت الوقائع فى الحالين، وتأكد أنه لا سبيل لتقويض نتنياهو بالقوة أو السياسة، ويتعين ترشيد الهزيمة وليس إعانته على تعميقها بادعاء النصر.
كل ما قبلت به حماس مؤخرا كانت ترفضه فى السابق، وكل ما ترفضه اليوم ستقبل به مستقبلا؛ إنما بعدما تتسع الكلفة وتضيق الخيارات.انتهت المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار فى مطلع مارس. اقترح مبعوث ترامب للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، تمديدها بصفقة تقسم الرهائن على مجموعتين بينهما فاصل للتفاوض على التهدئة الدائمة، ثم عاد بعد برهة بتصور آخر يقضى بالإفراج عن عشرة أحياء وبعض الجثامين لقاء خمسين يوما تمتد لما بعد عيد الفصح.
واشنطن منحازة، والنظر الآن فى التناسب لا العدالة. رفضت حماس الاقتراح، ثم وافقت على بديل مصرى، رفضه نتنياهو منحازا لتكثيف الضغط وانتزاع التنازلات تحت النار. وفيما وراء ذلك، ما تزال الحركة على سرديتها عن النصر المزعوم، وتكابر فى الاعتراف بالخطأ، وبالتبعية فإنها لا ترى حاجة للتصويب، ولا لتحريك الأوضاع عمّا هى عليه حاليا.
كُلّف الموساد من رئيس الحكومة بالبحث عن دولٍ توافق على استقبال الغزيين. ربما يتصل التكليف بالصراع الداخلى، ورغبة نتنياهو فى تطويق المستوى الأمنى، أكان بتحميله مسؤولية الطوفان أم بانتدابه لمهام مستحيلة، إلا أن الدلالة الأهم تخص إفساد الجزء الأصعب من مخطط التهجير.
بهذا؛ سُيّجت حدود فلسطين مع مصر والأردن، وإذ تخرج القاهرة من الشق الذاتى فى مسألة إزاحة الديموغرافيا، فإنها ما تزال متسلّحة بموقفها المبدئى إزاء الفكرة، وقد صار أكثر قوة وموضوعية.
لا معنى لأى حديث عن خروج طوعى تحت الإبادة، والعودة للقتال تُصعّب الخطة على عكس ما يتوهّم النازيون الصهاينة؛ لأنها تُغذى لدى الغزيين شعور الصمود والتضامن فى المُلمّات، وتضغط على ضمير العالم والوجهات المقترحة لتكون أوطانا بديلة.
لكن الشرط أن تتدلّى حماس من تعاليها الفج، وأن تُترجم دعاياتها الوفاقية سلوكا عمليا. قالت إنها جاهزة لترك الحكم، وجدد خليل الحية القول مؤخرا، ويُنتظر التطبيق بقناعة كاملة أنها صارت عبئا، وأن نجاعة المقاومة راهنا فى الضغط للانتقال من الأمنى إلى السياسى، وفى طمأنة الشارع لا تخويفه، والاستماع لصوته والنزول على إرادته الغاضبة.فلسطين فى حاجة ماسّة إلى المكاشفة الجارحة، فى أشد صورها واقعية وإغلاظا وتقويما للذات، ومهما بدت خشنة ومتحاملة فلن تكون أقسى مما جرى ويجرى بحق الغزيين. إن استنفار الضباع خطيئة كبرى طالما أنك عاجز عن قتلها، والرصاصة الشريفة لا قيمة لها لو استجلبت الموت لصاحبها. أدنى الخسائر أن الفصائل استنزفت محصولها من القوة الصلبة دون طائل، وأعلاها ترويع بيئتها الحاضنة، والانعزال عنها نفسيا ومصلحيًّا، فضلا على آثار الهدر من الكتلة البشرية، مع ما يترتب عليه من كىٍّ للوعى وإشاعة للارتياب البينى.. يفقد خيار النضال العنفى شيئا من الوهج والوجاهة بأثر التوظيف المنحرف، وإذ يطلب المنكوبون الحياة بتنحية حماس؛ فكأنهم يكفرون بالبندقية ضمنًا، بينما أُضعِفت السياسة بقصدٍ لا يمكن إنكاره من جهة الممانَعة.أُمّمت القضية فى السابق مشروعا عربيا أو إسلاميا.
تعثرت منظمة التحرير طويلا؛ لكنها توصّلت بعد جهد لصفته الفلسطينية الخالصة. أما حماس فقد خصخصته لصالحها، ولوّنته بألوانها المتنافرة بين الإخوانية والشيعية والفارسية والعثمانية. والاحتكار لا يقع على بقية القوى الوطنية فحسب؛ بل يتخذ أبعادا مركبة: غزة ضد الضفة وفلسطينيى الخط الأخضر والشتات، السلاح على حساب السياسة وبقية صور النضال. الأصولية ضد المدنية، والطائفية ضد المواطنة.
الاستتباع مقابل الاستقلال، والممانَعة نكاية فى الاعتدال، والعاطفة دون العقل. منظومة متكاملة من التأطير الاختزالى الضار، ومن تحكيم النسبى فى المطلق، وتضييع الوطنى العام لأجل التنظيمىّ الخاص.ليس أسوأ من الطوفان إلا التلكؤ فى الرجوع عنه، وإعلان القطيعة مع الذهنية التى قادت إليه.
وإذ لا يُنتَظَر من سلوك كهذا أن يُوقِف الحرب؛ فعلى الأقل لا يُهدّد بنسخة ثانية منها بعدما تتوقّف الأُولى. كل يوم تقضيه حماس قابضة على عنق غزة يخنق القطاع والقضية كلها.
الغزيون ليسوا جبناء ولا خونة بهتافهم ضد الحركة؛ لكنهم واقعون بين فكّى كماشة وإن من لونين مختلفين. سلاح الإخوان استبد بهم أكثر ممّا صوّب على المحتل، وإذ يعجز عن حمايتهم اليوم فلا يتوانى فى إرعابهم، والتنكيل بمُنظّمى التظاهرات وقادتها، كما حدث مع الشاب عدىّ الربعى.. يقضى المنطق بالتنحى لو كان فيه إنقاذ للأبرياء، ويصير واجبا بعدما يثور المحكومون على حكّام الضرورة. صنعةُ نتنياهو أن يكون مصّاص دماء، ولا يُداريها أو يدّعى عكسها فى القول والممارسة، وواجب الضحايا أن ينجوا قدر استطاعتهم، لا أن يعينوه على أنفسهم، ولا أن ينوبوا عنه فى عض الرقاب وتقطيع الشرايين.
اليوم السابع